أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

24

نثر الدر في المحاضرات

وقيل له - وقد احتضر - ألا تتوب ؟ فقال : إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التّوبة ، وإن كنت محسنا فليست ساعة الفزع . لما نصب المنجنيق على الكعبة جاءت نار فأحرقت المنجنيق ، وامتنع أصحابه من الرّي ، فقال الحجاج : إن ذلك نار القربان دلت على أن فعلكم متقبّل . وقال على المنبر : اقدعوا هذه الأنفس فإنها اسأل شيء إذا أعطيت ، وأعصى شيء إذا سئلت . فرحم اللّه امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما ، فقادها بخطامها إلى طاعة اللّه ، وعطفها بزمامها عن معصية اللّه ؛ فإني رأيت الصبر عن محارمه أيسر من الصبر على عذابه . وكان يقول : إنّ امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر ربه ، ولم يستغفر من ذنبه ، أو يفكر في معاده ، لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة . لما قتل الحجاج عبد اللّه بن الزّبير « 1 » ارتجت مكة بالبكاء ، فأمر الحجاج بالناس ، فجمعوا إلى المسجد ، ثم صعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل مكة . بلغني إكباركم واستفظاعكم قتل ابن الزّبير ، ألا وإن ابن الزبير ، كان من أخيار هذه الأمة ، حتى رغب في الخلافة ، ونازع فيها أهلها ، فخلع طاعة اللّه ، واستكنّ بحرم اللّه . ولو كان شيء مانعا للعصاة لمنعت آدم حرمة الجنة ، لأن اللّه تعالى خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وأباحه جنته ، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته . وآدم على اللّه تعالى أكرم من ابن الزبير ، والجنة أعظم حرمة من الكعبة ، فاذكروا اللّه يذكركم . وصعد المنبر بعد قتله ابن الزّبير متلثّما ، فحطّ اللّثام عنه ، ثم قال : موج ليل التطم * فانجلى بضوء صبحه يا أهل الحجاز . كيف رأيتموني ؟ ألم أكشف ظلمة الجور ، وطخية « 2 » الباطل

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي ، قتله الحجاج بن يوسف سنة 73 ه ( انظر : كتاب الثقات 3 / 212 ، الطبقات الكبرى 6 / 44 ) . ( 2 ) الطخية : الظلمة .